أحمد بن محمد ابن عربشاه

404

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وثعالب وجرذانا ، وتعبير هذه الرؤيا ، وكلمة الله هي العليا : إنه في هذا العام والشهور والأيام ، يكثر اللصوص والعيارون « 1 » ، والمكرة والطرارون « 2 » ، ويظهر في العساكر كل حسود ماكر ، وشيطان داعر ، ولكن صولة الملك تمحقهم ، وصواعق سيوفه تصعقهم ، فأسرع إلى السلطان وخبره ، بما رآه في منامه وعبره ، فقال : بالحق أتيت هذا الذي كنت رأيت ، ثم أمر له بجائزة سنية وخلعة بهية ، فصار في عيشة مرضية وحياة هنية ، وسلك طريقته الدنية فلم يلتفت إلى عهوده القوية ، ونبذ عهد الحية الحبية « 3 » ، وقال : يكفيها منى كفى عنها ، فلا تطلب منى ولا أطلب منها . ثم إن السلطان رأى في المنام في ثالث الأعوام ، مناما آخر ونسيه ، فأرسل إلى المعبر فغشيه من يم الهم ما غشيه وسأله عما رآه ، وطلب منه تعبير رؤياه ، فطلب المهلة كما كان وأحاط به موج الهم من كل مكان ، ولم ير بدّا من معاودة الحية ، فأتاها وبه من الحياء كيّه « 4 » ، وناداها بصوت خاشع ، ووقف في مقام الذليل الخاضع ، فخرجت فرأته فزجرته وزأرته ، وقالت : يا خائن يا كذاب ، يا ناقض العهد يا مرتاب ، يا قليل الحياء ، يا كثير البذاء ، يا صفيق الوجه ، يا حقيق النّجه « 5 » ، ترى بأي لسان تخاطبني وبأي وجه تقابلنى ، وقد ختلت وفتلت « 6 » ، وفعلت فعلتك التي فعلت ، فقال : لم يبق للاعتذار مجال ، ولا للاستقالة مقال ، وما ثم طريق إلا معاملتك بالإفضال ، فإن أفضلت أتممت الإحسان ، وإن رددت فعذرك واضح البيان ،

--> ( 1 ) العيّار : الذي يتردد بلا عمل يخلى نفسه وهواها . ( 2 ) الطرّار : النشال ، الذي يطرّ الثياب أي يشقه ويقطعه ليسلب ما فيه . ( 3 ) المعطاءة . ( 4 ) أي حيرة لا يدرى كيف ينصرف . ( 5 ) النّذل . ( 6 ) خدعت .